من غبار البناء إلى بريق الذهب.. أزهري المبارك.. حكاية رجلٍ نحتته الصحراء وصاغته الحرب

من غبار البناء إلى بريق الذهب.. أزهري المبارك.. حكاية رجلٍ نحتته الصحراء وصاغته الحرب

“حصاد التعدين” يغيث “النازحين”.. و”قائد المقاومة” يعلنها: نحن مع الجيش حتى تحرير آخر شبر

كتب: محمد يوسف عبد الرحمن ” ميدي”

ثمة حكايات لا تُروى بمنطق الصدفة، بل بمنطق القدر الذي يمهّد لصاحبه طريقاً وعراً قبل أن يفتح له أبواب المجد. وقصة أزهري المبارك واحدة من هذه الحكايات؛ رجلٌ خرج من رحم الولاية الشمالية عام 1975، في بلدة العفاض الوادعة، ولم يكن أمامه حينها سوى دروب البناء الشاقة وعرق العمل اليومي البسيط، يقتات منه ويصنع به أيامه.. لكن الصحراء التي أنهكته في شبابه، هي ذاتها التي احتضنت لاحقاً مفتاح تحوّله الكبير. فمع بزوغ طفرة التعدين الأهلي عن الذهب في أراضي شمال السودان، انقلب مسار الرجل رأساً على عقب، وتبدّلت خارطة حياته بين ليلة وضحاها. فبات صاحب أكبر منجم ذهب مملوك لفرد واحد في البلاد، وارتقى إلى مصاف كبار رجال الأعمال، بثروة تُقدَّر بملايين الدولارات، لم تكن يوماً غاية في ذاتها، بل أداة لمشروع أكبر لم يتكشف إلا حين اشتدت الأزمة على وطنه.. لم تُغرِ الثروةُ أزهري المبارك بالانزواء خلف أسوارها، بل دفعته إلى تحويلها جسراً نحو الآخرين. ففي بلدته العفاض بمحلية الدبة، أقام مركزاً ومخيماً واسعاً، تحوّل سريعاً إلى ملاذ آمن لآلاف الأسر التي فرّت من جحيم المعارك في الفاشر وولاية الجزيرة، حاملة معها ما تبقى من أحلامها المهدَّدة. وتشير تقارير محلية إلى أن هذا المعسكر بات، خلال الأشهر الأخيرة، خلية نحل لا تهدأ، تتقاطر إليها القوافل على مدار الساعة، في مشهد إنساني يختصر معنى التضامن في زمن الحرب.. ولم يكتفِ الرجل بفتح الأبواب، بل مضى إلى ما هو أعمق؛ فمول “تكايا” ومطابخ مركزية تقدّم وجبات يومية مجانية للنازحين، بالتعاون مع مبادرات أهلية محلية نسجت معه شراكة إنسانية صامتة. وامتد أثره ليطال المستشفيات والمؤسسات الطبية والتعليمية في الولاية الشمالية، حتى استحق على إثر ذلك ترشيحاً وتكريماً من جهات دولية، من بينها الاتحاد الأوروعربي للجيوماتك مطلع عام 2026، تقديراً لمسيرته الإنسانية التي تجاوزت حدود الإحسان الفردي إلى ما يشبه المؤسسة الخيرية المتكاملة.. غير أن مسار أزهري المبارك لم يتوقف عند حدود العطاء الإنساني؛ فمع اتساع رقعة الحرب، وجد نفسه مدفوعاً نحو موقع أكثر ثقلاً وخطورة، حين تولى رئاسة المقاومة الشعبية في الولاية الشمالية، وتحديدا منطقة الدبة. واللافت أن هذا التكليف لم يأتِ بترشيح ذاتي أو طموح شخصي، بل جاء بإجماع من مختلف ولايات السودان، رغم أن الرجل – بحسب ما نقلته تصريحاته – كان في البداية عازفاً عن تولي أي منصب، وكأن القدر وحده من ألزمه بهذا الدور.. ومن موقعه هذا، تحوّل أزهري المبارك إلى أحد أبرز ممولي عمليات استيراد السلاح وتجهيز الكتائب الشعبية والمتطوعين، مشرفاً على تنظيم حملات الاستنفار، وتوفير الدعم اللوجستي، وإعداد المستنفرين للقتال جنباً إلى جنب مع القوات المسلحة السودانية. وقد وثّقت تقارير محلية تبرعه بعشرات المركبات القتالية وسيارات الإسعاف، في مساهمة مباشرة ضمن جهود فك الحصار عن مدينة الفاشر المنكوبة.. وفي كل تصريح يدلي به أزهري المبارك، يتكرر خيط واحد يربط كلامه بمواقفه: أن المقاومة الشعبية ليست كياناً مستقلاً بذاته، بل ذراع تتحرك تحت مظلة القوات المسلحة السودانية، دعماً لها بالرجال والمال، ووقوفاً معها حتى تحرير آخر شبر من أرض الوطن. وينفي الرجل، في كل مرة يُسأل فيها، أي صلة له بالعمل الحزبي أو السياسي، مؤكداً أنه لا ينتمي إلى أي تنظيم قديم أو جديد، وأن ما يحرّكه ليس سوى واجب وطني خالص، لا تشوبه حسابات السلطة أو مطامح الكراسي.

مائة عربة مقاتلة.. واشادة مناوي

منذ تأسيس المقاومة الشعبية بمحلية الدبة، تولى أزهري المبارك قيادتها واضعاً نصب عينيه هدفاً رئيساً يتمثل في حشد الطاقات الشعبية لدعم القوات المسلحة في معركة الكرامة. وتحت قيادته، تحولت المقاومة الشعبية إلى منصة مجتمعية واسعة تضم مختلف مكونات المحلية، وأسهمت في تنظيم معسكرات الاستنفار والتدريب، وتعبئة الشباب، وتنسيق جهود القرى والأحياء والقطاعات المهنية لتقديم الدعم المطلوب للقوات المسلحة.. كما لعب دوراً محورياً في تنظيم قوافل الإسناد التي توجهت إلى عدد من المحاور العسكرية، وشملت المواد الغذائية، والاحتياجات اللوجستية، والمعينات الطبية، وبنوك الدم، ووسائل الاتصال، فضلاً عن دعم الارتكازات الأمنية المنتشرة في الولاية الشمالية، ويكفي ان المبارك، قدم مائة عربة مقاتلة بكامل تسليحها، استجابة لنداء فك الحصار عن الفاشر، وحظي هذا السخاء بإشادة عدد من القيادات الوطنية، من بينهم حاكم إقليم دارفور ورئيس حركة جيش تحرير السودان، مني أركو مناوي، الذي أشاد في تصريحات سابقة بالدور الذي يقوم به أزهري المبارك في قيادة المقاومة الشعبية، وشدد على انه نموذج يتحدى لرجال المال والأعمال، معتبراً أن جهوده تبرهن على انه رجل وطني من الطراز الأول، وتمثل نموذجاً للإسناد الوطني للقوات المسلحة، وتعكس أهمية التنسيق بين الجيش، والقوة المشتركة، والمقاومة الشعبية، في مواجهة التحديات الأمنية والحفاظ على وحدة البلاد.

مخيم العفاض.. الملاذ الآمن

ولم يتوقف أزهري المبارك عند حدود الإسناد العسكري، بل امتد دوره في حرب الكرامة، إلى العمل الإنساني، عبر إطلاق واحدة من أبرز المبادرات الأهلية لإيواء النازحين في الولاية الشمالية، وذلك بإنشاء مخيم العفاض بمحلية الدبة، الذي استقبل أعداداً كبيرة من الأسر الفارة من مدينة الفاشر ومناطق واسعة في إقليمي دارفور وكردفان، بعد تصاعد العمليات العسكرية.. وتقوم المبادرة على تخصيص مساحات من أراضيه ومشروعاته الزراعية لإقامة المخيم، مع توفير الاحتياجات الأساسية للنازحين، من مساكن مؤقتة، وأسرة، ووجبات غذائية، ومياه شرب، وملابس، وخدمات صحية، وذلك بدعم من جهود مجتمعية ومبادرات تطوعية شارك فيها أبناء الدبة والقرى المجاورة.
غير أن المبادرة لم تتوقف عند حدود الإغاثة التقليدية، بل اتجهت نحو التمكين الاقتصادي، من خلال استيعاب عدد من النازحين في المشروعات الزراعية والإنتاجية بالمحلية، بما وفر لهم فرص عمل ومصادر دخل، وأسهم في تحويل كثير من الأسر من متلقية للمساعدات إلى أسر منتجة قادرة على الاعتماد على نفسها. كما أصبح المخيم مركزاً للتكافل الاجتماعي، تتوافد إليه القوافل الإنسانية من مختلف مناطق الولاية الشمالية، في صورة جسدت قيم التراحم والتضامن التي عُرف بها المجتمع السوداني.

رجل أعمال.. في خدمة المجتمع

يعكس حضور أزهري المبارك نموذجاً لرجال المال و الأعمال الذين وسعوا دائرة مسؤوليتهم لتتجاوز الاستثمار والأنشطة الاقتصادية إلى العمل الوطني والمجتمعي. فمنذ اندلاع الحرب، ارتبط اسمه بعدد من المبادرات التي استهدفت دعم القوات المسلحة، وإسناد المستشفيات، ورعاية النازحين، والمساهمة في توفير احتياجات معسكرات الاستنفار، فضلاً عن دعمه المتواصل للمبادرات المجتمعية التي تستهدف الأمن والاستقرار.
كما ظل من أبرز الداعمين لبرامج التعبئة والاستنفار بمحلية الدبة، وساهم في توفير الإمكانات اللوجستية اللازمة لإنجاح عدد من المبادرات الشعبية، مع حرصه على توحيد جهود المجتمع المحلي، وتعزيز التنسيق بين المقاومة الشعبية، والقوات المسلحة، والإدارة الأهلية، والقطاعات المجتمعية المختلفة.. وخلال السنوات الماضية، عزز أزهري المبارك حضوره باعتباره أحد أبرز الوجوه المجتمعية في الولاية الشمالية، بداية من دعمه للقوات المسلحة، بجانب المبادرات الإنسانية والتنموية التي استهدفت تخفيف آثار الحرب، وتعزيز صمود المجتمع، واعلاء قيم التكافل والتعاون، ليصبح اسمه مرتبطاً بالإسناد الوطني والعمل الإنساني في واحدة من أكثر مراحل السودان تعقيداً.

التعليقات مغلقة.

?>