حكومة الطوارئ .. هل يفعلها البرهان ؟
الخرطوم: جاد الرب عبيد
حرك رئيس مجلس السيادة الفريق اول ركن عبدالفتاح البرهان، المياه الراكدة في الساحة السياسية، وذلك بتهديد اطلقه في اجتماع لمجلس شركاء الفترة الانتقالية، والذي أقام الدنيا ولم يقعدها يوم أمس “الاحد”، وطبقاً للزميلة “اليوم التالي”، فإن الرجل الغاضب من تلكؤ قوى الحرية والتغيير والجبهة الثورية في تقديم ترشيحاتها للحكومة الجديدة، هدد الشركاء بتجاوز الاحزاب وتكوين حكومة طوارئ برئاسة رئيس الوزراء د. عبدالله حمدوك، هذا الحديث الذي تناقلته وسائل الاعلام ومواقع التواصل ومجالس المدينة باهتمام بالغ، يفتح الباب على مصراعيه لاحتمالات عديدة، نتناولها في ثنايا السطور أدناه. لكن ما الذي دفع البرهان لقول ذلك هل هو تأخير تشكيل الحكومة أم هنالك أمر آخر ؟! .
*الخروج للشعب
رئيس مجلس السيادة الفريق اول ركن عبدالفتاح البرهان خلال اجتماعه مع شركاء الحكم إنتقد ما أسماه تلكؤ قوى الحرية والتغيير والجبهة الثورية في تقديم ترشيحاتها للحكومة الجديدة، وبحسب ما نقلته ‘اليوم التالي” ، فإن البرهان بدأ غاضبا بشدة من حالة التنازع، التي عطلت تكوين الحكومة، وذكر خلال الاجتماع الأخير لمجلس شركاء الفترة الانتقالية انه لا يملك خيار سوى الخروج للشعب واطلاعه بيانا على الفشل في التوافق على تشكيل الحكومة، ولوح باحتمال أقدامهم على تشكيل حكومة طوارئ برئاسة د. عبد الله حمدوك حال عدم التزام الشركاء بتكوين الحكومة بالسرعة اللازمة، وأشار البرهان إلى أن أوضاع البلاد لا تحتمل المزيد من التلكؤ، وأفادت مصادر الصحيفة، أن بعض قادة قوى الحرية والتغيير طلبوا من البرهان عدم الأقدام على تلك الخطوة، ووعدوه بالإسراع في إنجاز المهمة، يشار إلى أنه وفق المصفوفة الزمنية، التي اعتمدها مجلس الشركاء، والتي نصت على تكوين الحكومة في أو قبل الرابع من شهر فبراير وتعيين الولاة في الحادي عشر منه، وتكوين المجلس التشريعي في الخامس والعشرين من الشهر نفسه.
*تصريحات مناع
خطوة البرهان المفاجئة عدها البعض رد فعل لتصريحات مثيرة أطلقها عضو لجنة إزالة التمكين صلاح مناع في ندوة إسفيرية، مساء أمس، صوب فيها مناع انتقادات واسعة لجهات حكومية متهما إياهم بالتراخي في تفكيك النظام السابق، وقال إن رئيس مجلس السيادة ونائبه حميدتي اعترضا على التحقيق مع حرم الرئيس السابق وداد بابكر، وأضاف مناع أن قضية وداد زلزلت أركان الدولة حيث تم توقيف ضابط شرطة بتهمة تصوير حرم البشير أثناء التحقيق معها، وأوضح كذلك ان النائب العام ابلغهم بصدور قرار من رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان بإطلاق سراح اوكتاي اروجان ، من جهة أخرى استنكر مناع إطلاق سراح إبراهيم محمود واصفا ذلك مدعاة لإثارة القبائل ضد لجنة إزالة.
*ترحيب كبير
الثابت أن تهديد البرهان حظي بقبول واسع من الشعب ورحب به على منصات التواصل وخلف جدل كثيف في الأوساط المجتمعية، بيد أنه جاء في توقيت حرج يعاني فيه السودانيين من أزمة في كل شئ، جعلته غير قادراً على الصبر على حكومة أتى بها ولكنها فشلت في أن تحقق طموحاته وتطلعاته، أبسطها الضائقة المعيشية التي تضرب بأطنابها في بلاد اصبحت بؤرة خصبة للنزاعات القبلية والتنافر المجتمعي ، الى جانب الخلافات السياسية التي تطفو على السطح يوماً بعد يوم، دون جدوى في الواقع المعيشي، الذي جعل طيف مقدر من السودانيين يفضل عسكرة السلطة على المدنيين .
*دوافع الرفض
وبمثل ما هنالك ترحيب بتهديد البرهان، إلا أن هنالك من يرفضه جملةً وتفصيلاً، لجهة أنهم يعتبرون ذلك فرصة لعودة العسكر للسلطة من جديد، عبر بوابة الاحتجاجات المنددة بالضائقة المعيشية، لجهة أنه مازال هنالك من يدعم حكومة الثورة ويحدوه الأمل في أن تحقق سودانه، “البيحلم بيه يوماتي”، كما ان رفض البعض للعسكر يرتبط بشكل كبير بالهوة التي حدثت بين الشعب والعسكر بعد حادثة فض الاعتصام الشهيرة من امام قيادة الجيش، وتعنت العسكر في المفاوضات مع قوى اعلان الحرية والتغيير ، التي خلفت احتجاجات راح ضحيتها عدد مقدر من ابناء الشعب.
*انقلاب عسكري
الرافضين ذهبوا الى انه في حال تنفيذ البرهان لتهديده فإنه يعتبر انقلاب عسكري كامل الدسم، ويتخوف الكثيرون من ان تعم الفوضى بالبلاد، لجهة أن الشباب الثائر لا يدعم خطوة عسكرة السلطة الحاكمة في البلد، في ظل عدم فرض هيبة الدولة في البلاد والتفلتات الكثيفة التي تشهدها مناطق متفرقة من العاصمة والولايات، بيد ان هذا التخوف ربما يقف عائقاً امام البرهان في تنفيذ تهديده، طالما أن الشارع اصبح يقول كلمته وبقوة في وجه كل قرار لا يروق له.
*تململ العسكر
لكن السؤال الذي يطرح نفسه ، هل تأخير تشكيل الحكومة هو الدافع الذي جعل البرهان يطلق هذا التهديد ، أم انها فرصة وأتت كان لابد من البرهان أن يغتنمها ؟، وهنا نجد أن الشراكة بين المدنيين والعسكر ليس على ما يرام منذ ازاحة نظام البشير من سدة الحكم، فالخلافات والمشاكسات تعد السمة البارزة للعلاقة بين المكونين اللذان يتقاسمان السلطة بالبلاد، وسبق وأن ابدى العسكر تململهم من العلاقة الفاترة ، وذلك من خلال تصريحات عديدة في منابر اعلامية مختلفة ، انتقدوا فيها المدنيين واكدوا انهم فشلوا في ادارة حكم البلاد.
*انتخابات مبكرة
في تهديده لم يجيب البرهان على سؤال، ماذا بعد الطوارئ؟، ولكن من خلال متابعتنا يبدو ان الرجل سيحدد انتخابات مباشرة، وهي التي لوح بها عبدالفتاح من قبل اكثر من مرة وفي اكثر من لقاء، خاصة عندما يكون هنالك خلاف مع المكون المدني، وبالنسبة لكثيرون فإن الانتخابات المبكرة هي الحل للخروج من المأزق السياسي قبل الاقتصادي، إلا ان هنالك من يرفض الفكرة، لجهة انه يخشى عودة انصار النظام البائد تحتى مسميات آخرى، غير أن هنالك من القوى السياسية من هو غير جاهز الآن لخوض انتخابات، من ناحية العضوية والتمويل.
*موقف قادة الحركات
فيما يتساءل البعض، كيف يفعلها البرهان وهو أتى بقادة قوى الكفاح المسلح للخرطوم ، هل سينهي اتفاق السلام ؟، وفي الصدد يذهب مراقبون الى انهم لا يستبعدون ان يكون هنالك اتفاق طبخ تحت الطربيزة بين العسكر وقادة الحركات المسلحة، لجهة ان هنالك حالة تقارب واضحة بين المكونين، في الوقت الذي لا تبدو فيه العلاقة على مايرام بين الثورية والحرية والتغيير، ولكن هل سترضخ الحركات المسلحة لقيام انتخابات مبكرة وهي غير جاهزة لها في الوقت الراهن، وليس بعيداً عن ذلك نجد ان رئيس مسار الوسط التوم هجو اختلف مع الثورية حول الترشيحات الوزارية، وعقد مؤتمر صحفي بوكالة سونا امس، قال فيه ان الانتخابات المبكرة هي الحل، واضاف “لا نريد أن نتحدث عن ظلم ولكن نريد أن نتحدث عن أن هنالك اتفاقية واضحة تم الإتفاق عليها بجوبا ويجب أن تطبق بنفس النصوص”، واشار الى ان ما يجري الآن هو محاولة واضحة للالتفاف حول إسقاط نصوص اتفاق جوبا ومن المؤسف ان يكون نصيب المسارات صفر حتى اللحظة من الثروة، مؤكداً ان المسارات المختلفة تقدمت كثيراً من أجل فتح الطريق للسلام، وأكد ان قائمة الترشيحات الحالية لقحت لا تستطيع أن تنقذ البلاد من أزماتها الحالية.
*الانفراد بالقرار
وفي اول تعليق على تهديد البرهان، اكّد عضو المجلس السيادي محمد الفكي سليمان، أنه لا يستطيع احد الانفراد بالقرار في الحكومة الانتقالية والتي وصفها بالمعقدة”، وقال الفكي في مقابلة مع قناة “بي بي سي” ، إن المكون العسكري لن يحكم البلاد لوحده، واردف “وهذا امر مفروغ منه”، مبينا أن المدنيين يريدون أن يحكموا البلاد وحدهم مع وجود للعسكريين في الملفات التي تليهم، وكذلك العسكريين يريدون ان ينفردون بالسلطة، لكن تم التوصل إلى ” المعادلة شديدة التعقيد” في إشارة الى الشراكة بين المدنيين والعسكريين. وأوضح الفكي ان التطبيع مع إسرائيل ليس قرار المكون العسكري لوحده، ومضي “نعم تم التواصل مع رئيس المجلس السيادي”، لكنه اشرك الجميع في المشاورات، وأضاف الفكي “حضرنا كل النقاشات وتم الاتفاق على المضي قدما في الملف”. واكد سليمان انه لا يستطيع شخص الأفراد بالقرار في تركيبة الحكومة الانتقالية المعقدة.


التعليقات مغلقة.