– ذكرى رحيل «قنديل الشمال»!.. ست سنوات على غياب الأستاذ الصحفي زاهر الكندري
– شبابيك
– طارق عبدالله علي
• نعود اليوم بقلوب يعتصرها الغياب لنستحضر طيف الأستاذ زاهر الكندري، ذلك الفقد الجلل الذي ترك في الأرواح فراغاً يفيض بالوجع وسواد الحزن. لقد كان الفقيد طفلاً كبيراً بقلبه البريء، ومثقفاً حادباً حمل هموم ريفه وشماله في حدقات العيون، وصاحب سيرةٍ عامرة بالحب والترفع صبغ بها حياة كل من حوله، حتى اختاره الله إلى جواره ولسانه يلهج بالشهادة ويقين المؤمنين. هذا البوح هو مرثية وفاء تلامس حدود الفراق، رثاءً لرجلٍ غادرنا على عجل، وترك في قلوبنا حسرة الشوق وألم الغياب الموحش.
في مثل هذا اليوم، وقبل ستة أعوام مضت، غيب الموت جسداً وفارقنا في هذه الحياة الفانية «قنديل الشمال» الأستاذ والزميل العزيز زاهر الكندري. وإذ أذكر في هذه السيرة العطرة، بكل إجلال وتقدير، أستاذي ومعلمي الراحل مشرف صفحة «نفحات الريف الشمالية» بصحيفة الوفاق آنذاك؛ فذلك لأنه من منحني الثقة، وفتح لي الأبواب، حيث وجدت منه طوال فترة عملي الإعلامي معه كل التعاون والتقدير والاحترام، وتشاركت معه مواقف مستمرة وتفاكراً دؤوباً في دروب الإبداع والشأن الإعلامي. لقد كان الراحل حريصاً على تسليط الأضواء على النماذج الإبداعية المشرفة في كل مناطق الشمال، وظل وفياً لرسالته الصحفية الإنسانية، واليوم، نفتقد صوته المميز، ونفسه النقيّة، وتوجيهاته التي كان يغلب عليها فكره النير ومنطقه الواضح وبعد نظره الثاقب. إن رحيله قد ترك فراغاً عريضاً، ستظل روحه نبراساً، وكتاباته إرثاً باقياً يحتذى به.
وفي هذه الذكرى الراتبة، يستدعي الوجدان ما سطره أستاذي الشاعر والصحفي القدير «عثمان عوض ضرار»، الخِلّ الوفي للراحل، في توثيقه الباذخ لرحلة «قنديل الشمال». فقد أضاء أستاذنا «عثمان» على جوانب عميقة من مسيرة الراحل «زاهر عبدالرحمن الكندري»، مسترجعاً بدايات تلك المحبة الممتدة منذ النصف الثاني من تسعينيات القرن الماضي في دهاليز صحيفة «السودان الحديث». وأرخ أستاذنا عثمان للمحطات الإبداعية والتاريخية التي جمعتهما، وكيف كان الراحل يمثل نموذجاً فريداً للصحفي والموثق الحادب على التراث؛ بدءاً من فكرة إنشاء صفحة للطنبور بصحيفة «السودان الرياضي» تحت إشراف الأخ إبراهيم أرقي، والتي كانت بمثابة البذرة الأولى لصفحة «نفحات الريف» التي جمعت تحت ظلالها أقلاماً شبابية فذة وضعت بصمتها في النقد الفني والأدبي والثقافي.
وتتواصل محطات هذه السيرة العامرة لتصل إلى صحيفة «الوفاق» مع الراحل الأستاذ محمد طه محمد أحمد، حيث تولى الراحل زاهر إدارة الإعلانات والتحرير معاً، ليكون مكتبه هناك ملتقىً ومنتدىً جامعاً لأهل الفن والشعر والأدب، يمتد من الظهيرة وحتى المساء في نقاش وتفاكر مستمر. وتأكيداً لشغفه، فقد وثق لعدد من المناسبات الثقافية بإصدارات خاصة، ورأس تحرير صحيفة «الوعد» بالولاية الشمالية وساهم في تأسيس صحيفة «الشاهد». إن أعظم ما جاء في توثيق الأستاذ عثمان عوض ضرار، هو وصفه لشخصية زاهر الإنسانية؛ إذ عاش سمحاً متسامحاً، نقي السريرة، يبتعد عن الخصام، وكان شجاعاً في مواجهة المواقف، وصبوراً في المحن ومثابراً يتجاوز كل إحباط.
وكما وصفه أستاذنا عثمان بدقة بأنه «طفل كبير» عاش بنقاء طفولي فريد، فإنه في مواجهة الموت والرحيل، تجلى تصوفه ونقاء سريرته التي ظهرت بوضوح في فترته الأخيرة، فمات رجلاً واجه القدر بثبات، صابراً ومستغفراً ومردداً للشهادة مراراً وطالباً العفو من الناس بعد أن غمرته راحة التوجه إلى الله وحده. اللهم ارحم الأستاذ زاهر الكندري رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناتك في علياء الخلد، وأنزله منازل الصديقين والأبرار، واجعل البركة في أسرته وذوي مودته، وإنا لله وإنا إليه راجعون..
وفي تجليات هذا الغياب المر، تتماهى هذه الأبيات مع سيرة هذا الرحيل وكأنها تستنطق حزائنية الوجدان به، نقتطفها موجهين إياها كأصدق مرثية لهذا الفذ؛ وحقاً نسأل عليه بلاد بلاد، وفي كل ملامح رماد هذا الزمن، لأن حضوره فيه كان سيكون مختلفاً بلا شك. هي لمحة شجية من نص «عطش الوهاد» للشاعر «خالد الباشا»، والتي تغنى بها الفنان الأستاذ «ميرغني النجار»، لتعبر في مداها عن لوعة الشوق وفادحة الفقد:
… وين انت
في غفلة مشاعرنا اختفيت
نسأل عليكا بلاد بلاد
شايلنلك الشوق التقيل
عاصرنبك آ وافي الفؤاد
دسيت ملامح بكرة وين
خليتنا للزمن الرماد
ماك عارف الايام سفر
وجيتك مطر مدلوق
علي عطش الوهاد
زي جية الغايبين سنين
مكتولة بي شوقهم بلاد
وين انت وين…
تمت خلاس.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ