الخرطوم: جاد الرب عبيد
في زيارة تعد الأولى له بعد تسلم الحكومة الانتقالية الحكم، يصل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الخرطوم، اليوم السبت، وتستمر ليوم واحد، يرافقه خلالها وزير الخارجية سامح شكري وعدد من كبار المسئولين المصريين، لبحث عدد من الملفات المشتركة التي يتوقع أن يكون أبرزها سد النهضة الإثيوبي، ووفقا لما نقلته وكالة السودان للأنباء (سونا) عن وزيرة الخارجية مريم الصادق المهدي، فإن الزيارة ستناقش العلاقات الثنائية بين القاهرة والخرطوم وسبل تطويرها، والملفات المشتركة والقضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، فيما تشير مصادر “المواكب”، أن “البرهان” و”السيسي” سيناقشان ملف سد النهضة، والأزمة الحدودية بين السودان وإثيوبيا، إلى جانب القضايا الثنائية.
حراك كبير
وتأتي الزيارة وسط حراك دبلوماسي وعسكري كبير بين البلدين، ففي حين التقت وزيرة الخارجية السودانية السيسي ونظيرها المصري سامح شكري في القاهرة الثلاثاء، اختتم محمد فريد رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية زيارة للخرطوم استمرت يومين، تم خلالها توقيع اتفاقية للتعاون المشترك في مجالات التدريب والتنسيق العسكري.
تصريحات استباقية
وخلال استقباله وزيرة الخارجية السودانية في القاهرة، أكد السيسي موقف مصر الثابت من حتمية التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم فيما يخص ملء وتشغيل سد النهضة، بما يراعي عدم الإضرار بدولتي المصب، مصر والسودان.
وأعلن السيسي دعم بلاده للسودان، مشددا على أن “أمنه واستقراره جزء لا يتجزأ من أمن مصر واستقرارها”، وقال إن للقاهرة نهج استراتيجي لدعم كافة جوانب العلاقات الثنائية مع الخرطوم من أجل التعاون والبناء والتنمية، وذلك “ترسيخا للشراكة والعلاقات بين الشعبين”، وأعرب السيسي عن مساندة القاهرة لكافة جهود تعزيز السلام والاستقرار في السودان خلال تلك المرحلة المفصلية من تاريخه، فيما قالت مريم الصادق المهدي إن بلادها تتطلع لتطوير الجهود المتبادلة، للارتقاء بأواصر التعاون بين البلدين.
وفي مؤشر على تنسيق المواقف بشأن سد النهضة، طالب وزيرا خارجية مصر والسودان، إثيوبيا بإظهار حسن النية والانخراط في عملية تفاوضية فعالة للتوصل إلى لاتفاق قانوني ملزم بشأن ملء وتشغيل السد، بما يحقق مصالح الدول الثلاث ويحفظ الحقوق المائية لمصر والسودان، ويحد من أضرار هذا المشروع على دولتي المصب، وعبر الوزيران عن الرغبة الجادة لتحقيق هذا الهدف في أقرب فرصة ممكنة، وفي حين أعرب البلدان عن تقديرهما للجهد الذي بذلته جنوب إفريقيا خلال رئاستها للاتحاد الإفريقي في مسار مفاوضات سد النهضة، فإنهما عبرا عن القلق إزاء تعثر المحادثات التي تمت برعاية الاتحاد، وشددا على أن قيام إثيوبيا بتنفيذ المرحلة الثانية من ملء سد النهضة بشكل أحادي سيشكل تهديدا مباشرا للأمن المائي لمصر والسودان، خاصة فيما يتصل بتشغيل السدود السودانية، وهو ما يعرض حياة 20 مليون مواطن سوداني للخطر.
تعاون عسكري
وفي السياق اشار الخبير العسكري اللواء أمين إسماعيل مجذوب، الى التقارب بين البلدين وتوسع التعاون العسكري، وذكر الخبير المتخصص في إدارة الأزمات أن زيارة رئيس هيئة الأركان المصري إلى السودان تأتي في خضم توتر السودان على حدوده مع إثيوبيا إلى جانب ملف سد النهضة الذي يهم البلدين بشكل رئيسي، وأضاف: “هناك اتفاق دفاع مشترك بين السودان ومصر وقع في سبعينات القرن الماضي تم تفعيله في زيارة رئيس الأركان المصري إلى الخرطوم قبل ثلاثة أشهر”.
تحديات أمنية
وتابع اسماعيل : “في المباحثات الجارية بين الجيشين السوداني والمصري في الخرطوم هذه المرة نتوقع إبرام برتوكولات في مجال التدريب وتبادل المعلومات، وأردف مجذوب: “رشحت أنباء قوية عن زيارة مرتقبة للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى الخرطوم السبت القادم، وقد تعني الزيارة أن البلدين قد يترجما الاتفاقات العسكرية على مستوى قادة الدولتين”، وقال أمين إسماعيل مجذوب إن السودان ومصر يخططان لمجابهة التحديات الأمنية معًا خاصة الاستقرار على الحدود الشرقية والغربية للسودان لارتباطهما بالأمن القومي المصري، وزاد: “أي خلل أمني في السودان يعني تهديد أمن مصر ولذلك فإن السيسي حريص على التعاون العسكري مع السودان ولدى البلدين استعداد للتعاون في تنفيذ اتفاق السلام وقد يقدم الرئيس المصري مساعدات فنية عسكرية للسودان لإنفاذ اتفاق السلام”، ورأى مجذوب أن مصر لديها أكبر هيئة تصنيع حربي في المنطقة العربية، وقد ينتقل البلدين إلى التعاون في مجال الصناعات الدفاعية. لافتًا إلى أن السودان اكتفى من الأسلحة والذخائر والعربات المدرعة بفعل توطين الصناعات الدفاعية وتوسع التعاون العسكري مع الولايات المتحدة وروسيا.
توطيد العلاقات
فيما يقول السفير السابق ابوبكر عابدين، ان الزيارة ستشهد توطيد العلاقات في المجال الأمني والعسكري، خاصة وان الخرطوم قد شهدت، الثلاثاء الماضية توقيع اتفاقية للتعاون العسكري بين السودان ومصر، وذلك ضمن برنامج زيارة رئيس أركان الجيش المصري للبلاد، واضاف “يعد ملف التوتر الحدودي بين الخرطوم وأديس أبابا من بين ملفات الزيارة أيضًا، حيث إن مصر تدعم موقف السودان لأنه قائم على أسس قانونية”، وأكد أن زيارة الرئيس السيسي رسالة واضحة لدعم سياسي لموقف السودان خاصة وسط مواجهته لتوترات على حدوده الشرقية مع إثيوبيا ومع إصرار الجيش السوداني على عدم الانسحاب والتراجع من حدود السيادة الوطنية، وأضاف عابدين أنها رسالة أيضًا للسودانيين تفيد بأن الحكومة تحظى بدعم الدول الإقليمية المهمة وتسعى لإنجاح مهمتها، بتوفير الدعم السياسي لها وأن يكون السودان دولة مستقرة يتم التعاون معها على المستوى الثنائي ومواجهة التحديات الإقليمية. ويرى السفير أن ملف أمن البحر الأحمر سيكون من أبرز ملفات الزيارة أيضًا، حيث يعد أمن البحر الأحمر مهمًا للبلدين، والتعاون المصري السوداني سيكون مهمًا للغاية على أساس أن يكون البحر الأحمر منطقة خالية من القواعد العسكرية، مضيفًا أن ملف أمن البحر الأحمر سيحتم مناقشة التعاون الثلاثي بين الخرطوم والقاهرة وجوبًا.
مرحلة جديدة
مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق لشؤون السودان، صلاح حليمة، يقول إن “تطورا ملموسا تشهده علاقات البلدين، وزيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي المرتقبة إلى الخرطوم ستدشن لمرحلة جديدة”، وأوضح حليمة أن “هناك تطورا ملموسا على كافة الأصعدة والمستويات في العلاقات بين البلدين”، وأضاف أن زيارة “السيسي المرتقبة إلى السودان سوف تدشن لمرحلة جديدة في تلك العلاقات التي بدأت في أخذ منحى إيجابي للغاية منذ الثورة السودانية المباركة”، ولفت إلى أن “هناك ملفين بالغي الأهمية وهما: الأمن المائي للبلدين والأمن القومي وكلاهما وثيق الصلة، وما حدث من تطور في تلك العلاقات ليس أمرا طارئا فرضته الظروف المحيطة، لكن محصلة لزيارات مكوكية سوف تتوج بالزيارة المرتقبة للرئيس السيسي”.
وأضاف حليمة أن “هناك حديثا عن علاقات عسكرية وأخرى أمنية واقتصادية، وتطابقا في وجهات النظر فيما يخص متطلبات الأمن القومي للبلدين في القرن الإفريقي”، وتابع: “هناك تطابق في وجهات النظر فيما يخص سد النهضة وأهمية أن يكون هناك اتفاق واضح وملزم لجميع الأطراف فيما يخص القضايا المتعلقة بسد النهضة ومن خلال وساطة رباعية”.
تحركات مكثفة
بدوره قال الخبير العسكري عثمان خالد ان هناك تحركات مكثفة هذه الأيام بخصوص سد النهضة، فقد تم لقاء بين وزيري خارجية مصر والسودان في القاهرة أسفر عن بيان مشترك يحذر إثيوبيا من الملىء القادم بقرار منفرد دون اتفاق مع البلدين، وأضاف: كما ان مباحثات في الخرطوم بين رئيس أركان الجيشين السوداني والمصري لها مغزى ورسالة، ويوم السبت يأتي الرئيس السيسي إلى السودان لمباحثات مع القيادة السودانية حول التعنت الإثيوبي وحتمية التوصل إلى اتفاق قبل الملء القادم، ونتوقع ردود فعل إيجابية من إثيوبيا على هذه التحركات السودانية المصرية “، وتابع: “ننتظر أيضا موقف جمهورية الكونغو الديمقراطية حول قبولها استمرار الوساطة للاتحاد الإفريقي من عدمه، حيث أنها لم تعلن موقفها حتى الآن من استلام الملف وقبولها استكمال المفاوضات والوساطة بين الدول الثلاث ودعوتها لاجتماع عاجل لبحث الأمر المتردي حاليا وتخفيض حدة التوتر بين البلدان الثلاثة”.
حقبة جديدة
ومن جانبه، قال الخبير العسكري المصري اللواء سمير راغب، “السودان لها مكانة كبيرة لدى الرئيس السيسي، وأسبقية متقدمة في أجندة الزيارات الخارجية للسيسي”، وأضاف أنه “تأتي الزيارة المحتملة للرئيس السيسي كأول زيارة للسودان عقب الثورة، وفي وقت تشهد العلاقات المصرية – السودانية تقدم وزخم في كافة المجالات”، واعتبر أن “هذه الزيارة المرتقبة تأتي، كزيارة رسمية لتدشين حقبة جديدة من العلاقات المصرية السودانية، تؤسس على تاريخ طويل من العلاقات الأخوية لشعب وادي النيل، بالإضافة لما تحقق خلال فترة تولي الرئيس السيسي، من اتفاقيات جديدة و تفعيل اتفاقيات قديمة”.