النيل الأبيض ….التحول من ولاية زراعية الي مركز انتاج وتصنيع وتجارة إقليمية

الخرطوم : سكاي سودان

تتجه ولاية النيل الأبيض إلى تعزيز موقعها على خريطة الاستثمار في السودان، مستندة إلى مزيج من المقومات الجغرافية والموارد الطبيعية والإنتاج الزراعي والحيواني، فضلاً عن موقعها الرابط بين شمال البلاد وجنوبها، وإطلالتها على النيل الأبيض، وقربها من الأسواق ومنافذ التجارة الداخلية والخارجية. وتبرز الولاية، في ظل التحولات الاقتصادية التي فرضتها الحرب، بوصفها واحدة من المناطق المرشحة لاستقطاب رؤوس الأموال وتوسيع القاعدة الإنتاجية، لا سيما في قطاعات الزراعة والصناعات التحويلية والثروة الحيوانية والخدمات اللوجستية.

لكن القيمة الاستراتيجية للنيل الأبيض لا تكمن في وفرة الموارد وحدها، وإنما في قدرتها على تحويل هذه الموارد إلى سلاسل إنتاج متكاملة، تبدأ من الحقول والمزارع، وتمر بالصناعات التحويلية، وتنتهي بالأسواق المحلية والخارجية.
وتتمتع الولاية بموقع جغرافي يمنحها أهمية اقتصادية وتجارية، إذ تمثل حلقة وصل بين عدد من الولايات السودانية ودولة جنوب السودان، كما يشكل ميناء كوستي النهري أحد منافذ الحركة التجارية والنقل النهري، إلى جانب مشروع ميناء كوستي البري الذي تنفذه شركة زادنا، بما يعزز فرص تطوير الخدمات اللوجستية وحركة البضائع.
وتشير البيانات الاستثمارية الواردة بشأن الولاية إلى أن نحو 68% من مساحتها قابلة للاستغلال الزراعي، بما يتجاوز 6.5 مليون فدان، مستفيدة من موارد المياه السطحية والجوفية، وتنوع أنماط الإنتاج بين الزراعة المطرية والمشروعات المروية.
وتكتمل هذه المقومات بتوافر الأيدي العاملة والخبرات المحلية في مجالات الزراعة والإنتاج الحيواني، إلى جانب انخفاض نسبي في تكاليف التشغيل مقارنة ببعض المراكز الاقتصادية الكبرى، وهي عوامل تمنح المستثمرين فرصاً لبناء مشروعات إنتاجية ذات قيمة مضافة.
ويمثل القطاع الزراعي الركيزة الأهم في معادلة الاستثمار بالولاية، ليس فقط لاتساع الأراضي الصالحة للزراعة، وإنما لارتباطه المباشر بالأمن الغذائي والصناعات التحويلية وفرص التصدير.
وتستهدف خطة الموسم الشتوي 2026-2027 زراعة أكثر من 191 ألف فدان، من بينها 120 ألف فدان للقمح، بالتوازي مع التوجه لإنشاء محفظة تمويل ولائية، وتوفير بدائل للطاقة، تشمل 5 آلاف وحدة طاقة شمسية لدعم المشروعات الزراعية المروية.
وفي هذا السياق، يبرز مشروع الطويلة الزراعي بمحلية قلي نموذجاً للمشروعات القابلة للتوسع، إذ يستهدف استغلال نحو 1500 فدان لإنتاج التقاوي، بعد تأهيل أربع طلمبات ري، بطاقة تشغيلية معلنة تبلغ 300 ألف متر مكعب في الساعة، ويخدم المشروع 14 قرية، بما يعزز فرص ربط الإنتاج الزراعي بالتنمية المحلية.
كما تبرز مشروعات ود الزاكي وقلي والدويم ضمن المواقع التي يمكن أن تستوعب استثمارات جديدة في الإنتاج الزراعي والتقاوي والري الحديث.
والفرصة الاستثمارية الأهم هنا تتجاوز امتلاك الأراضي وزراعتها إلى بناء منظومة متكاملة تشمل توفير المدخلات الزراعية، والتخزين، والتبريد، والتصنيع، والتعبئة والتغليف. فإنتاج القمح والسمسم والفول السوداني والمحاصيل النقدية دون التوسع في التصنيع المحلي يعني استمرار فقدان جزء كبير من القيمة الاقتصادية للمنتج.
وتمثل الصناعات التحويلية أحد أهم المداخل لتعظيم العائد من الموارد الزراعية والحيوانية، وتبرز مدينة كوستي باعتبارها مركزاً صناعياً مرشحاً للتوسع، في ظل وجود مشروعات استثمارية متنوعة.

وتشمل المشروعات المعلنة مصنع سامكو للبلاستيك، باستثمار يقدر بنحو 2.5 مليون دولار، ومصنع التومات لتعبئة المواد الغذائية باستثمار يبلغ نحو مليوني دولار، إلى جانب مجمع الضامر لصناعة الصادر، الذي يستهدف إنتاج زبدة الفول السوداني وصمغ الهشاب والزيوت النباتية والأعلاف.

وفي محلية القطينة، يبرز مشروع عثمان سراج لصناعة الحديد والمعادن، باستثمارات معلنة تبلغ 120 مليون دولار، ونسبة تنفيذ تصل إلى 92%، مع توقعات بتوفير 266 وظيفة.

أما في ربك، فيمثل مصنع سكر النيل الأبيض أحد المشروعات الصناعية الكبرى، بطاقة إنتاجية معلنة تبلغ 450 ألف طن من السكر سنوياً، مع أنشطة إنتاجية مصاحبة تشمل الإيثانول والأعلاف، وقدرة على استيعاب أعداد كبيرة من العمالة المباشرة وغير المباشرة.

وتكشف هذه المشروعات عن فرص إضافية أمام المستثمرين في مجالات مطاحن الغلال، واستخلاص الزيوت، وصناعة الأعلاف، وتعبئة المحاصيل، وتصنيع الطماطم والمنتجات الغذائية، والصناعات المرتبطة بالتعبئة والتغليف.

والرهان الاستراتيجي يتمثل في الانتقال من تصدير المواد الخام إلى تصدير المنتجات المصنعة، بما يرفع القيمة المضافة، ويوفر فرص العمل، ويزيد حصيلة النقد الأجنبي.

 

تتمتع النيل الأبيض بقاعدة كبيرة من الثروة الحيوانية، تعززت أهميتها مع انتقال أعداد من القطعان من الولايات المتأثرة بالحرب، الأمر الذي يضع الولاية أمام فرصة لتطوير قطاع الإنتاج الحيواني وتحويله إلى منظومة اقتصادية متكاملة.

وتتضمن خطة الولاية للفترة 2026-2030 تنفيذ 30 مشروعاً في القطاع، من بينها إنشاء أربع مدن للإنتاج الحيواني، إلى جانب مشروعات بيطرية وخدمية تستهدف تحسين الإنتاج ورفع كفاءة سلاسل الإمداد، ويبرز مشروع ود الزاكي ضمن المشروعات المرشحة لتكون نواة لهذا التوجه.

وفي مجال الصادر، تتقدم كوستي بوصفها مركزاً مهماً لتجميع وتسويق المنتجات الزراعية والحيوانية، مع توجه لتطوير بورصة للصادرات تسهم في تنظيم حركة المحاصيل النقدية وربط المنتجين بالأسواق الخارجية.

كما شهدت الولاية تصدير شحنة أولى تبلغ ألف طن من الصمغ العربي والسمسم الأبيض إلى إنجلترا وتونس والجزائر عبر شركة نوريس العالمية، فيما تشير البيانات الاستثمارية إلى استهداف الولاية الإسهام بنحو 67% من صادرات الصمغ العربي السوداني.

وتكمن الفرصة في تطوير البنية التحتية للصادر، بما يشمل مراكز التجميع والفرز والتخزين، والمسالخ الحديثة، والخدمات البيطرية، والتصنيف والجودة، فضلاً عن الصناعات الجلدية واللحوم المبردة والمصنعة.

 

لا يمكن فصل جاذبية الاستثمار عن كفاءة البنية التحتية، وهو ما يجعل مشروعات النقل والمياه والكهرباء من المحددات الأساسية لمستقبل الاقتصاد الولائي.

وفي هذا الإطار، تنفذ شركة زادنا مشروعات تشمل طريق كوستي-الزليط وميناء كوستي البري، فيما تشمل مشروعات الطرق طريقي شكيري وشبشة، إلى جانب مشروعات المياه والكهرباء.

كما شهدت الولاية تدشين شبكة مياه تندلتي بطول 18 كيلومتراً، بتمويل من بنك التنمية الأفريقي وتنفيذ منظمة الهجرة الدولية، ضمن خطة تستهدف التوسع في شبكات المياه بأكثر من 78 كيلومتراً في عدد من المحليات، تشمل تندلتي وربك والدويم والجبلين.

وتشمل المشروعات كذلك كهرباء منطقة الشاتاوي، ودعم محطات المياه والطاقة، بما يسهم في تحسين الخدمات الأساسية وتهيئة البيئة للمشروعات الإنتاجية.

غير أن التحدي الحقيقي يتمثل في ضمان استمرارية الإمداد الكهربائي، وتحسين الطرق الرابطة بين مناطق الإنتاج ومراكز التصنيع والتصدير، وتوفير خدمات النقل والتخزين بكفاءة وتكلفة تنافسية.

 

تتيح قوانين الاستثمار الاتحادية والولائية حزمة من التسهيلات والحوافز للمشروعات، تشمل الإعفاءات الجمركية على الآلات والمعدات وفق الضوابط القانونية، والإعفاءات الضريبية التي تتفاوت بحسب طبيعة المشروع وتصنيفه، فضلاً عن إمكانية تخصيص الأراضي للمشروعات الاستراتيجية، وتسهيل الإجراءات عبر نظام النافذة الواحدة بمفوضية الاستثمار.

كما تشمل الضمانات القانونية حماية الاستثمارات من التأميم والمصادرة غير المشروعة، وتنظيم تحويل الأرباح ورؤوس الأموال وفق القوانين واللوائح النافذة.

وتظل كفاءة هذه الحوافز مرتبطة بسرعة تنفيذ الإجراءات، ووضوح تخصيص الأراضي، واستقرار السياسات، وتوفير المعلومات الدقيقة للمستثمرين، وهي عناصر لا تقل أهمية عن الإعفاءات المالية ذاته.

تبدأ الإجراءات بتقديم طلب إلى مفوضية الاستثمار بالولاية في ربك، يتضمن طبيعة المشروع وحجمه وموقعه المقترح، ثم إعداد دراسة الجدوى الأولية واستكمال الموافقات الفنية، وتخصيص الأرض واستخراج الترخيص الاستثماري، وفق الاشتراطات القانونية والإدارية المعتمدة.

ويمثل وجود نافذة موحدة للإجراءات فرصة لتقليل الوقت والتكلفة، شريطة تطوير الخدمات الإدارية والفنية وتوفير قاعدة بيانات محدثة بالمشروعات والأراضي والفرص المتاحة.

 

على الرغم من تعدد الفرص والمقومات، فإن تحويل النيل الأبيض إلى مركز استثماري مؤثر يتطلب معالجة مجموعة من التحديات، في مقدمتها فجوات التمويل، وتكاليف الطاقة والنقل، ومحدودية التخزين والتبريد، والحاجة إلى تحديث البنية التحتية، فضلاً عن ضرورة توفير بيانات موثوقة ومحدثة حول الأراضي والإنتاج والأسواق.

ومن هذا المنطلق، فإن الأولوية الاستثمارية الأكثر واقعية تتمثل في الصناعات التحويلية المرتبطة بالإنتاج الزراعي والحيواني، خصوصاً استخلاص الزيوت، وتصنيع الأعلاف، وتعبئة السمسم والفول السوداني، ومعالجة الصمغ العربي، وتخزين وتصنيع المنتجات الغذائية.

وتتميز هذه المشروعات بإمكانية الاستفادة من المواد الخام المحلية، وتقليل فاقد الإنتاج، وتوفير فرص العمل، وخلق روابط اقتصادية بين المزارعين والمنتجين والمصانع وشركات التصدير.

كما تبرز أهمية الشراكات بين القطاعين العام والخاص في تطوير الموانئ والطرق والطاقة ومرافق التخزين، إلى جانب تشجيع الاستثمار في الطاقة الشمسية والري الحديث والتقنيات الزراعية.

النيل الأبيض لا تحتاج إلى اكتشاف موارد جديدة بقدر حاجتها إلى إدارة مواردها الحالية بكفاءة اقتصادية أعلى. فالموقع الجغرافي والأراضي الزراعية والثروة الحيوانية والمشروعات الصناعية القائمة تمثل قاعدة واعدة، لكن الاختبار الحقيقي يكمن في قدرة الولاية على الانتقال من اقتصاد الموارد إلى اقتصاد الإنتاج والقيمة المضافة والتنافسية التصديرية.
وبهذا التحول، يمكن أن تصبح النيل الأبيض أكثر من مجرد ولاية زراعية؛ لتتحول إلى مركز إنتاج وتصنيع وتجارة إقليمية، يسهم في دعم الأمن الغذائي وإعادة بناء الاقتصاد السوداني.