يخت (الإنقاذ) الرئاسي.. قضية مازالت في أضابير النيابة

وكالات : سكاي سودان

في عام 2006 تفاجأت الأوساط الاجتماعية والإعلامية بخبر وصول يخت تابع لرئاسة الجمهورية، ونقلت الأنباء آنذاك أن اليخت الضخم يبلغ طوله (181) قدماً وعرضه (32) قدماً، بينما تبلغ حمولته (172) طناً، وأن نقله يتطلب إزاحة بعض الأبنية والأشجار وقطع أسلاك الكهرباء، وكانت السلطات تستهدف وصوله مبكراً ليتزامن مع عقد مؤتمر القمة الإفريقية بغرض نقل المشاركين عبره في رحلة نيلية، بيد أن ذلك لم يتم لأسباب تتعلق بتصميم اليخت وعدم صلاحية إبحاره بهذا الحجم في مياه النيل.

 

* كيف بدأت الحكاية؟

 

ربما لم تُصدّق الشابة العشرينية آنذاك أن عطاء استيراد يخت رئاسي بقيمة أربعة ملايين ونصف المليون دولار قد رسا عليها، عبر عطاء لم يتم إعلانه في الصحف، غير أنه رغم ذلك استطاعت أربع شركات بقرون استشعارها داخل تلك الدهاليز الرسمية أن تعلم بتلك المناقصة الغامضة فتقدمت بعروضها، غير ذلك قصة وقفت عليها آنذاك صحيفة (السوداني) عبر تحقيق استقصائي جيّد أجرته الصحافية هويدا سر الختم سنعرض بعض ما جاء فيه، ثم نتوقف مع بعض المصادر الأخرى.

 

إقصاء الشركات المنافسة

 

تقول المحررة هويدا سر الختم في تحقيقها الذي أشرنا إليه إن أربع شركات تقدمت لجلب اليخت من خارج السودان، هي على النحو التالي شركة إيزولا من جمهورية سلوفينيا وشركة (دمن) الهولندية وشركة (بلجراد شب يارد) التي تمثلها في التسويق شركة (كوفكس) ومقرها بلغراد، بجانب شركة مصرية.

 

وتورد المحررة أن الفريق عباس السيد وكيل شركة كوفكس قال إن مبلغ الملايين الأربعة ونصف المليون التي وُرّد بها اليخت الرئاسي مبالغ فيها ويقول: (تقدمنا لتوريد اليخت بنفس المواصفات بقيمة مليون وستمائة ألف دولار فقط، أي ثلث السعر الذي دفع في اليخت الرابض الآن في النيل على ضفاف مدينة بحري).

 

ويقول إن العطاء اشترط فترة أحد عشر شهراً لتسليم اليخت، لكنهم تقدموا بعرض للتسليم خلال خمسة أشهر فقط وبثلث السعر، ولكن مع ذلك فإن اللجنة استبعدته بالرغم من أن الشركة متخصصة في هذا المجال وتعمل فيه فترة طويلة، وسبق لها توريد جرارات للقوات المسلحة في عام 1990.

 

الفتاة المحظوظة

 

وتحدثت محررة التحقيق الاستقصائي (عن فتاة شابة رقيقة في مقتبل العمر دخلت حديثاً عالم المال والأعمال .. ولمن لا يؤمنون بُخدّام الحظ، فقد قصدها الحظ باستيراد اليخت الرئاسي لتدخل التاريخ).

 

أصداء خارجية

 

أثار استيراد اليخت الرئاسي آنذاك ردود فعل في عدد من الوسائط الإعلامية الخارجية الدولية والإقليمية، فقد قالت صحيفة (دنيا الوطن) الفلسطينية الشهيرة (لا حديث للسودانيين هذه الأيام، بحسب الأنباء الواردة، إلا عن (اليخت الرئاسي) الذي تم جلبه بقيمة (4,5) مليون دولار ليستمتع به قادة الدول الإفريقية في مساءات الخرطوم على نهر النيل).

 

وتمضي الصحيفة قائلة: (إذا كان فشل السودان في الحصول على رئاسة الاتحاد الإفريقي 2006م قد سيطر على تناول الصحافة السودانية، وأضحى شغلاً شاغلاً للسودانيين في نقاشاتهم وتقييمهم للقمة، فإن (اليخت الرئاسي) استأثر باهتمام بالغ هو الآخر).

 

وتعدى الأمر الصحافة السودانية إلى نظيراتها الدولية، ففي تقرير بعنوان (رئيس السودان ينتظر طويلاً وصول يخته)، قالت صحيفة (نيويورك تايمز) الأمريكية الثلاثاء 31/1/2006 إن الحكومة السودانية أزالت كل العوائق وقامت بتنظيف الخرطوم وبنت (فيلات رئاسية)، وعلقت لافتات ترحيب مزركشة من أجل القمة الإفريقية التي انتهت الأسبوع الماضي).

 

وكان منتظراً بحسب الصحيفة أن تتوج هذه الجهود باليخت الرئاسي، الذي كان يفترض أن يقل (أصحاب المقامات الرفيعة) على حد قولها في سهرات على النيل. وكآمال السودان المُجهضة في رئاسة الاتحاد الإفريقي، تجسّد الفشل أيضاً في إنزال القارب إلى الماء.

 

لكن ــ تشير الصحيفة ــ وقبل أن يلامس اليخت الماء، ينتقد بعض السودانيين المسألة برمتها، بوصفها دليلاً على بُعد الحكومة السودانية عن هموم الناس. وتم الاستخفاف به في الصحف بوصفه (قارب البشير) و (دمية المليون دولار). وجرت الإشارة إلى التكنولوجيا المتقدمة التي تربطه بالأقمار الاصطناعية والمقصورة الرئاسية الفاخرة، بالإضافة للتجهيزات المتعلقة بالغطس لـ (76) شخصاً.

 

مستشفى عائم

 

ودعت صحيفة (جوبا بوست) إلى وضع اليخت تحت تصرف الصليب الأحمر كمستشفى عائم، مشيرة إلى أن الأطفال (يستجدون الطعام في الخرطوم بحري ليس بعيداً عن سفينة الرئيس المحطمة). ومن جهتها أشارت صحيفة (خرطوم مونيتر) إلى أن الحكومة السودانية تستخدم (سفناً للبضائع) لنقل النازحين الذين شردتهم الحرب إلى مناطقهم، في حين تستورد سفناً للحفلات.

 

وماذا بعد؟

 

تلك كانت تداعيات الحدث، فما هي تداعياته الآن على ساحة بلادنا بعد التغيير الذي حدث في خريطة الحكم بعد ثورة ديسمبر 2019؟ فقد حملت الأنباء في وقت سابق أن نيابة مكافحة الفساد والتحقيقات المالية، ألقت القبض على وزير المالية الأسبق علي محمود عبد الرسول لاتّهامه في فسادٍ مالي يتعلّق ببيع (اليخت الرئاسي) بملايين الدولارات لمنفعته الشخصية.

 

وَكَشَفَت المصادر أنّ النيابة دَوّنَت بلاغاً في مُواجهة محمود بتُهمة خيانة الأمانة تحت المادة (177/2) وتمّ إيداعه بحراسة نيابة الفساد، لبدء إجراءات التحري والتحقيق معه.

 

الا أنه حتى الآن لم يتم تقديم الوزير السابق للمحاكمة حول هذه القضية، فهل هذا يعود إلى ضعف الحيثيات ضده رغم المفارقة الواضحة في صفقة البيع؟

 

لكن هذا الأمر يفتح تساؤلاً مشروعاً حول عدم تقديم قضايا فساد ضد رموز النظام السابق البارزين، بينما ظلت البلاغات مفتوحة حتى الآن، مما يتطلب الاسراع في اكمال النظر في تلك الملفات وتقديم المتهمين فيها للعدالة .
وعندها هل يتم الكشف عن ملابسات العطاء الدولاري الباهظ ودهاليز الحصول عليه واقتلاعه بيد الآلية الإجرائية في كواليس القصر الرئاسي آنذاك من براثن ثلاث شركات مؤهلة قدمت إحداها عرضاً بثلث المبلغ، لكنه كما قال صاحب الشركة التي ضلت المناقصة طريقها إليه، إن العطاء ذهب لفتاة ليست لها علاقة بعالم بالبحار أو الأنهار.

 

 

الانتباهة

استيرادالانقاذرئاسييخت