من ضجيج السكة الحديد بعطبرة إلى سكينة الوحي.. حوار مع المهندس:«علي الرشيد» حول كتابه “نور المشكاة: هندسة الروح وفلسفة الاستقرار
• حوار: طارق عبدالله علي •
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
”نور المشكاة هو اكتشاف الكنز الداخلي؛ يمثل حقيبة إسعاف نفسية تعيد ترتيب الأولويات وتمنح الروح طمأنينة اليقين وهداية الطريق.”
“وعيُ عطبرة يولد من رحم السكة الحديد؛ حيث يمنح انتظام حركة القطارات وصوتها حساً هندسياً يرى النظام الكامن خلف الاضطراب ويؤسس لثبات البناء الداخلي.”
”التحرر هو العودة للمرجعية العليا؛ يمنح الإنسان استقلالاً ذاتياً يحميه من ضغوط التبعية الفكرية ومن قيود الأحكام الاجتماعية.”
”الامتياز في الحياة هو تحقق الاتزان؛ يظهر في قدرة الفرد على إدارة مشاعره بوعي وإدراك غايته الكبرى وسط التحديات.”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
• بين صخب المادية المعاصرة وشتات النفوس التي أرهقها التيه، يتجلى كتاب “نور المشكاة” الصادر حديثاً عن دار الريس، كمنارة تعيد ترتيب الفوضى الداخلية وفق قواعد دقيقة. هذا العمل يمثل رحلة استكشافية في بنية النفس البشرية، حيث ينظر إليها مؤلفه بوصفها كياناً هندسياً يحتاج إلى ضبط العلاقة بين الفكر والشعور والإرادة لتحقيق الاستقرار المنشود.
• يصحبنا في هذه الرحلة المهندس «علي الرشيد حسين عثمان»؛ ابن مدينة عطبرة الذي استثمر دقة تخصصه في هندسة القدرة لسبر أغوار الروح وتأمل النظام الكامن خلف الاضطراب. وهو يحمل خبرة إنسانية نضجت عبر سنوات التعليم، حيث كانت تلك المرحلة مرآة كشفت له طبيعة النفس في طور تشكلها، وأكدت له أن ترميم الإنسان يبدأ بفهم بنيته واحترام هشاشته.
• ينطلق الحوار معه من نقطة جوهرية؛ وهي أن الأزمات الخارجية لا تملك اختراق توازن الإنسان إذا ما أُسست بنيته الداخلية على اليقين المستمد من مرجعية الوحي. ومن خلال فلسفة “الاستخلاف”، يفكك ضيفنا مشاعر الدونية والعدمية، ليعيد صياغة قيمة الفرد كصاحب رسالة وأمانة، محولاً معاناته إلى قوة دافعة نحو تحقيق الاتزان النفسي المفقود.
• نترككم مع تفاصيل هذا الإبحار في تفاصيل هذا المنجز الثري لضيفنا فإلــــى الحـوار :

× لماذا اخترت مصطلح «هندسة الروح»؟ وهل ترى أن النفس البشرية تخضع لقوانين بنائية شبيهة بالقوانين الهندسية من حيث التوازن والاستقرار؟
– اعتمدت هذا المصطلح ليقيني بأن النفس بنية دقيقة محكومة بعلاقات داخلية خاضعة للفهم وإعادة التنظيم. وكما يرتكز البناء الهندسي على قواعد توازن دقيقة، تطلب الروح ضبط علاقاتها بين الفكر والشعور والإرادة. ثمة قوانين غير مرئية تحكم استقرار الإنسان، ويعد كل خلل داخلي اختلالاً في هذا التوازن البنيوي.
× ما هي اللحظة أو التجربة التي ولدت فكرة هذا الكتاب؟ وهل كان الواقع المعاصر بشتاته المادي هو المحرك الأساسي للبحث عن «نور المشكاة»؟
– تراكمت الفكرة عبر صدمات داخلية وتأملات طويلة في معاناة الإنسان المعاصر. اتضح لي أن الوفرة المادية عجزت عن منح الطمأنينة، وساهمت في زيادة التيه. أدركت حينها أن المشكلة تكمن في فقدان «النور الداخلي»، ومن هنا انطلق البحث عن «نور المشكاة» كرمز للهداية التي تعيد ترتيب الداخل قبل الخارج.
× كيف يمكن لمفهوم «الاستخلاف» أن يكون ترياقاً لمشاعر الدونية والعدمية التي تسيطر على إنسان العصر الحديث؟
– يعيد الاستخلاف تعريف الإنسان لنفسه كصاحب رسالة ومسؤولية بعيداً عن الهامشية والعبثية. وبإدراك هذا المفهوم، تتحول الحياة من عبء إلى أمانة، ومن فراغ إلى معنى. هذا الفهم كفيل بتحطيم مشاعر الدونية، لارتباطه بمصدر القيمة ذاته، بعيداً عما يملكه الفرد أو يحققه.
× تحدثت عن التحرر من قيود البشر كسبيل للاستقرار؛ هل المقصود هنا التحرر من الأحكام الاجتماعية، أم التحرر من التبعية الفكرية؟ وكيف يخدم هذا التحرر بناء الشخصية المستخلفة؟
– أقصد التحرر الشامل من كل ما يصادر وعي الإنسان، سواء كان حكماً اجتماعياً أو تبعية فكرية. يتوجب على الإنسان المستخلف امتلاك استقلاله الداخلي بعيداً عن التبعية الكاملة. هذا التحرر يمثل عودة إلى مرجعية أعلى تضبط الاتجاه، فيتحرر الإنسان من ضغط الناس مع الحفاظ على انضباطه القيمي.
× كيف يتجلى مفهوم الاستقرار عبر سيادة النظام الداخلي للفرد عندما يعيش في واقع يتسم بالاضطراب الدائم؟
– يُستمد الاستقرار الحقيقي من نظام داخلي ثابت نظراً لتغير طبيعة الخارج. بوجود مرجعية واضحة وأولويات مضبوطة وقدرة على فهم الذات، يصبح الإنسان مقاومًا للاضطراب الخارجي. هو يحافظ على توازنه ويمنع اختراقه دون إلغاء الواقع المحيط.
× بينما يعيش العالم، ومنطقتنا خاصة، حالة من عدم الاستقرار الجذري؛ كيف يمكن لـ «نور المشكاة» أن ينتقل من كونه تنظيراً فلسفياً في كتاب إلى حقيبة إسعاف نفسية للشخص الذي فقد استقراره المادي والاجتماعي؟
– يتم ذلك عبر تحويل المفاهيم إلى ممارسات؛ فـ «نور المشكاة» دليل عملي لإعادة ترتيب الداخل من حيث التفكير وتفسير الألم وضبط الخوف. بامتلاك هذه الأدوات، يغدو الإنسان قادراً على الصمود في أقسى الظروف بفضل امتلاكه نقطة ارتكاز داخلية.
× يتحدث الكتاب عن حضور اللحظة والتوكل لعلاج القلق والحزن. كيف يفرق الكاتب بين التوكل الإيجابي وبين الاستسلام للواقع؟
– التوكل الإيجابي فعل واعٍ يبدأ بالأخذ بالأسباب وينتهي بتسليم النتائج لله، أما الاستسلام فهو تعطيل للإرادة بادعاء القبول. يمنح التوكل قوة الحركة، ويسلب الاستسلام القدرة على الفعل، والفرق بينهما حاسم في تشكيل مصير الإنسان.
× كيف يمكن للقارئ عملياً أن يعيد صياغة مفهوم الألم في ذهنه ليصبح أداة للبناء لا للهدم؟
– يحدث ذلك عبر تغيير تفسيره؛ فالألم في ذاته محايد، وتفسيرنا يحدد كونه هدماً أو بناءً. يتحول الألم إلى قوة دافعة للنمو عند فهمه كرسالة أو مرحلة إعادة تشكيل. ويتحول إلى عبء مدمر عند اعتباره عقوبة أو نهاية.
× ما هو المنهج الذي اتبعته في استخراج الحلول العملية من الآيات القرآنية؟ وكيف نجحت في الموازنة بين التفسير الإيماني وبين الطرح الفلسفي والمنطقي؟
– اعتمدت قراءة وظيفية للآيات تبحث عما تقدمه للإنسان في واقعه النفسي والمعيشي. تُرجمت هذه المعاني إلى مفاهيم عقلية وتطبيقات عملية. تحقق التوازن باحترام النص مع توسيع أفق فهمه ليخاطب الإنسان المعاصر.
× هل الكتاب موجه للنخبة الفلسفية أم أنه ميثاق طمأنينة متاح لكل من يبحث عن السكينة النفسية بغض النظر عن خلفيته المعرفية؟
– يجمع الكتاب بين العمق والبساطة؛ يجد فيه القارئ العادي الطمأنينة، والباحث مادة للتأمل. حرصت على إنسانية الخطاب وتجاوز النخبوية، فآلام الإنسان عامة وتشمل الجميع.
× ذكرت في مقدمة العمل أن الكتاب يوجه نحو عيش حياة ممتازة. ما هي المعايير التي تقيس بها إمتياز الحياة من منظور قرآني وهندسي؟
– الامتياز يُقاس بالاتزان بعيداً عن الوفرة. هي حياة يدرك فيها الإنسان غايته، ويدير مشاعره، ويحفظ صلته بالله، ويحقق سلاماً داخلياً رغم تغير الظروف. إنها حياة مستقرة البنية، وإن تخللتها التحديات.
× ما هي الرسالة أو الومضة التي تتمني أن تظل مرافقة للقارئ بعد إغلاق الصفحة الأخيرة من الكتاب؟
– إدراك أن النور المنشود موجود في الداخل ويستحق إعادة الاكتشاف. وأن الاستقرار بناءٌ يُشيّد ومجهودٌ يُبذل، وإحسان بناء الداخل يقي من ضرر اضطراب العالم الخارجي.
× هل كان لبيئة حي السكة الحديد أثر في تشكيل وعيك الفلسفي؟
– يصعب فصل الوعي عن منبته؛ فحي السكة الحديد فضاء حي يتقاطع فيه الصخب والبساطة والعمل والحلم. تعلمت هناك معنى الحركة الدائمة وسرعة الحياة. شكل صوت القطارات وانتظامها حساً عميقاً بالتأمل في النظام الكامن خلف الاضطراب. من هناك بدأت ملامح «هندسة الروح»، بإدراك أن قيمة الإنسان في ثبات بنيته الداخلية.
× هل لديك مدونة أو نشاط فكري معين في مدينة عطبرة أو غيرها؟
– أرى الفكر حالة ممتدة من الاشتغال الداخلي والخارجي بعيداً عن الأنشطة الشكلية. اكتفيت بالحضور عبر مساحات متفرقة من الحوار والكتابة. وفي عطبرة، كانت النقاشات العفوية والعميقة منصتي الفكرية البديلة عن المحافل الرسمية.
× هل لديك مؤلفات سابقة حتى لو كانت مقالات أو مخطوطات؟
– نعم، سبقت «هندسة الروح» محاولات ومقالات ومخطوطات مثلت مختبراً لبلورة الأفكار الأساسية. تريثت في النشر رغبةً في نضج الفكرة واكتمال الرؤية.
× كيف ترى تأثير الـ 13 عاماً في سلك التعليم على رؤيتك لترميم النفس البشرية؟
– مثلت تلك السنوات مرآة كاشفة للنفوس في طور البناء ومخاوفها وصراعاتها. تيقنت أن الخلل الحقيقي يبدأ في الشعور، وأن التعثر الأكاديمي تعثر نفسي في جوهره. ترميم النفس يتطلب فهم بنيتها وتقديم أدوات عملية للتوازن بعيداً عن الوعظ المجرد. التعليم كان مختبراً إنسانياً حياً.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


التعليقات مغلقة.