علي احمد عباس يكتب : اصرار حمدوك على الخطأ !
بدعوى التماشي مع سياسات التحفيز للسودانين بالخارج التي أعلنت من قبل ومن بينها استيراد السيارات الصغيرة قام السيد رئيس الوزراء بتوجيه وزير التجارة لإلغاء قراره الذي اصدره مؤخرا بوقف ومنع استيراد السيارات الصغيرة. مما لا شك فيه أن توجيه رئيس الوزراء لوزير التجارة لإلغاء قراره فيه هزيمة نكراء للسياسة والقرارات الصحيحة والصائبة والجريئة التي أصدرها وزير التجارة وهذا تدخل يدعو للأسف رغم حجيته المرتبطة بضرورة تماشي القرار مع السياسة التحفيزية للسودانين بالخارج. إن توجيه حمدوك بالغاء قرار وزير التجارة تدخل في غير محله وفيه تعويق لسياسة وقرارات صحيحة أصدرها وزير التجارة وهو الوزير المسؤول بالتخصص عن كل عمليات الاستيراد. حتما أن قرار وزير التجارة الصائب لم يأت من فراغ او خبط عشواء إنما يرجح انه أسس على دراسة متكاملة تناولت كل مالات السماح باستيراد السيارات من عدمه ومؤكد أن الدراسة رجحت كفة منع استيرادها خاصة أن الوزير ذو خلفية جمركية ويمتلك بيانات واحصاءات دقيقة عن حجم السيارات الصغيرة التي استوردت خلال السنوات الماضية وآخرها تلك الاحصائيه التي اصدرها وكيل وزارة التجارة والصناعة السابق والتي أوضحت أن السيارات الصغيرة التي تم استيرادها خلال عام واحد فقط كانت 600000 ستمائة الف سيارة وهو دون شك رقم مخيف من خلال ما ترتب عليه من تبعات ثقيلة على الدولة وقد تمددت وانتفخت فاتورة استيراد البنزين والجازولين حتى بلغت 3مليار دولار وبلغ دعمهما المليار ونصف المليار دولارا في العام دونما اي مساهمة محسوسة للسيارات الصغيرة في فك ضائقة المواصلات والترحيل ناهيك عن المشاكل الكثيرة الأخرى التي يسببها استيراد هكذا عدد خرافي منها. إن توجيه رئيس الوزراء حمدوك لا يتناسب مع المرحلة الحالية الحرجة التي يمر بها الاقتصاد الوطني ولا يتماشى ويتناغم مع الخطوات التي بدأت لازالة التشوهات الكثيرة العالقة به وآخرها رفع الدعم عن سلعتي البنزين والجازولين. وهنا يبرز سؤال هل استيراد السيارات الصغيرة فيه مصلحة للبلد من واقع التجارب السابقة؟ نقول لا والف لا بل بالعكس فيه مضار كثيرة أخرى مثل الاختناقات المرورية وتلوث البيئة الناتج من انبعاثات عوادم السيارات ودخانها الأسود ولم تزل مشكلة المواصلات مستفحلة برغم الكم الهائل من السيارات الصغيرة التي استوردت.
حقيقة أن ما قام به حمدوك من إلغاء لقرار وزير التجارة إنما هو اصرار على الخطأ واحراج لوزيره الذي صحح الخطأ ناظرا لمصلحة البلد دون تمسك زائف بمصداقية مزعومة باهظة التكاليف. إن قرار الوزير بوقف استيراد السيارات الصغيرة فيه نفس وبصمة وروح الثورة المطالبة بمسح وإلغاء سياسات النظام المباد الذي ابتدع ذلك الحافز المعيب وهو منح تراخيص استيراد سيارات مقابل تحويل مدخرات وتحويلات المغتربين. إن التمسك بالخطأ والإصرار عليه ومنع تصحيحه يعني تغليب المصلحة الخاصة لفئة على حساب المصلحة العامة. لا أعتقد أن هناك اتفاق مبرم وملزم لمنح المغتربين حافز استيراد سيارات صغيرة مقابل تحويل مدخراتهم وتحويلاتهم عبر القنوات الرسمية بل ان المسألة لا تعدو أن تكون غير سياسة خاطئة بتقديم حوافز مقابل التزام بتحويل الأموال عبر القنوات الرسمية وهي سياسة يمكن أن تراجع وتصحح اذا اتضح أن بها خلل يضر بالدولة. ونعجب عند منح الحوافز للمغتربين أن يصر البعض على أن تشمل السماح استثناءا باستيراد سيارات صغيرة رغم ما وضح فيها من مضار بالغة باقتصاد الدولة في حين أن الجدوى تكمن بمنح التراخيص لاستيراد سيارات وحافلات كبيرة تسهم في حل ضائقة المواصلات الي جانب تحفيز استيراد آليات ومعدات الإنتاج وما شاكلها.
ان تقديم حافز السيارات الصغيرة مقابل التحويل عبر القنوات الرسمية مقايضة لم تعد ذات جدوى ولافيها أي مكاسب بالحجم والكم الذي يعول عليه وينتظر ودوننا التجربة الأخيرة التي تدفقت فيها التحويلات في البداية بصورة طيبة ولكن سرعان ما همدت. وفي هذا الصدد لا بد أيضا أن نضع في الاعتبار عددا من الظروف الموضوعية التي حدثت في دول المهجر والكساد الاقتصادي الذي اجتاح معظم دول العالم وما ترتب عليه من آثار قضت بتخفيض الرواتب بمعدلات كبيرة وينسحب ذلك على السودانين بالخارج ومدخراتهم وتحويلاتهم وبالتالي ستختل بصورة كبيرة المعادلة بين الحافز المقرر (السيارات الصغيرة) والتحويلات المرتقبة الشئ الذي يحتم إلغاء هذا الحافز وهو القرار الصائب والصحيح الذي اتخذه وزير التجارة.
نكرر ونقول أن اي قرار باستثناء المغتربين والسماح لهم باستيراد سيارات صغيرة فيه هزيمة نكراء للسياسة الصحيحة التي أعلنها وزير التجارة بوقف هذا الاستثناء. وفي نفس الوقت نحترم ونثمن كل السياسات الأخرى التي تهدف الي منح السودانين بالخارج حوافز لجذب واستقطاب تحويلاتهم لتتدفق عبر القنوات الرسمية. وكنا نحسب أن حزمة الحوافز المعلنة للمغتربين قد خرجت عن النمط التقليدي المعيب الذي يركز على السماح لهم باستيراد سيارات صغيرة بعد أن اتضحت مضار هذا الحافز على الاقتصاد الوطني وبعد أن استغل ابشع استغلال بواسطة تجار السيارات عندما أصبحت تراخيص استيراد السيارات الممنوحة للمغتربين تباع في وضح النهار بعد منح المغتربين مئات الالاف من تراخيص استيراد السيارات.
ان تدخل حمدوك السافر غير الموفق والغاؤه قرار وزير التجارة يشي بصورة قبيحة بالتخبط واستمرار التقاطعات والتضارب بين أجهزة الدولة مثل ما حدث بين وزير المالية ومقرر لجنة تفكيك التمكين وإزالة الفساد من تجاذبات ومغالطات على الهواء مباشرة. إن هذا التضارب في القرارات والتنافر بين المسؤولين يؤكد ان اي مساعي للإصلاح لن يكتب لها النجاح..
وفي الختام نتعجب كثيرا من موقف السيد رئيس الوزراء المضاد لسياسة وزير التجارة التصحيحية واصراره على الوقوف مع السياسة التحفيزية الخاطئة.



التعليقات مغلقة.