معاوية السقا يكتب.. برافو وزارة التجارة والصناعة.. عندما تتساوى الحقوق مع الواجبات
معاوية السقا يكتب.. برافو وزارة التجارة والصناعة.. عندما تتساوى الحقوق مع الواجبات*
منذ أن صدرت قرارات حظر استيراد السلع الكمالية والاستفزازية، وما أثارته من ضجيج وسجال، ونحن نرصد المشهد بعين الأكاديمي وقلق الكاتب الذي يعلم أن أي قرار اقتصادي هو في جوهره رغيف خبز على مائدة المواطن. فما يمس “قفة ملاح” السودانيين يمسنا مباشرة، لأننا لسنا في برج عاجي، بل من قلب هذا الشارع المرهق، من طبقة تتكسر عند أول عاصفة، حتى لو كانت مجرد “هبة ريح” عابرة تهدد “راكوبة الحلة” الصامدة بالكاد.
بهذه الروح بدأت المتابعة، وأنا أرصد ارتدادات القرار في أوساط اللوبي المتضرر. لوبي انحنى للعاصفة مؤقتاً، كما توقعنا، لكنه يعد العدة الآن لعودة ماكرة، متدثراً بـ”بروباغندا” إعلامية فجة، تحاول أن تعيده إلى واجهة المشهد ليتربع من جديد على عرش الاستيراد. هو ذات اللوبي الذي بنى أمجاده على أوجاع الناس، وصنع ثرواته من عرق البسطاء ودموع المعدمين. يتشدق بـ”حرية التجارة” وهو يقصد حرية استنزاف ما تبقى من عافية الجنيه، وحرية إغراق الأسواق بسلع لا تشبع بطناً ولا تداوي مريضاً.
إن وزارة التجارة والصناعة، بقرارها هذا، لم تضع حجراً على تاجر، ولم تصادر حقاً لمستورد. بل أعادت للمعادلة توازنها المفقود. فالحق في الاستيراد يقابله واجب مراعاة حال الوطن. والحق في الربح تقابله مسؤولية عدم المتاجرة بصبر الناس. عندما تستورد الدولة الدواء والقمح والوقود بالعملة الصعبة، ثم ترى ذات العملة تُهدر على “شيبس” و”شوكولاتة” و”مكياج” و”ألعاب نارية”، فهنا اختلت الموازين، وصار لزاماً على يد الدولة أن تتدخل، لا لتقتل السوق، بل لتنقذه من نفسه.
لقد تعودنا في هذا البلد المنكوب أن نسمع عن “حقوق التاجر” و”حرية السوق”، لكننا قلما سمعنا عن “واجب التاجر” و”أخلاق السوق”. نسوا أن التجارة ليست شطارة في استغلال الأزمات، بل هي جسر لعبور الأوطان نحو العافية. ونسوا أن المواطن ليس “زبوناً” يُستغفل، بل هو “شريك” في هذا الوطن له حق العيش الكريم.
برافو وزارة التجارة والصناعة، لأنك ذكرتينا أن الحقوق لا تُمنح في الفراغ. كل حق يقابله واجب. حقك في الربح يقابله واجبك في أن لا تربح على أنقاض وطن. حقك في الاستيراد يقابله واجبك في أن لا تستورد لنا الهوان. وحقنا في لقمة العيش يقابله واجبنا في أن نحرسها من كل من تسول له نفسه أن يجعلها سلعة في بورصة الجشع.
قد يصرخ اللوبي، “قفة الملاح” أعلى. وأنين الجوعى أصدق. ومعركة الوعي بدأت، ولن تنتهي إلا عندما يفهم الجميع أن الوطن لا يُبنى بالكماليات، وأن الكرامة لا تُستورد في حاويات.



التعليقات مغلقة.