• جيل ما بعد 2018 في معركة الهوية والوعي
• شبابيك
• طارق عبدالله علي
• 24 يوليو 2026
يا ترى، كم تأثر أولئك الذين نشأوا في ظروف البلاد منذ العام 2018، خصوصاً من كانت أعمارهم (15 و16 و17) سنة؟ والمعروف أنه منذ تلك السنة مر السودان بتحولات سياسية كبيرة كان أثرها على الاقتصاد مباشرة، ومن ثم على الوضع الاجتماعي الذي ينتعش مع الاستقرار. ومنذ تلك الفترة شهدت البلاد تردياً في المعيشة، ونتجت شواهد اجتماعية قاسية مستمدة من انشغال الدولة بأولويات التعافي وترميم المؤسسات، إذ ظهرت ظواهر يغذيها ضعاف النفوس ممن وجدوا ضالتهم فمرروا أجندات إجرامية ومنظمة موجهة من أعداء البلاد.
ولعل الخطورة الكبرى في هذا المخاض تتجاوز حدود التردي المعيشي، لتصل إلى التآكل البنيوي في منظومة القيم التي تحكم الوجدان العام. إن مرحلة الشباب المبكر تمثل حجر الأساس في تشكيل الهوية والبوصلة الأخلاقية، وحين ينشأ الفرد في بيئة تفتقر إلى المرجعيات التقليدية والمؤسسات التوجيهية الفاعلة، وسط أسر أنهكتها الأعباء المعيشية، فإنه يصبح عرضة لتلقي البدائل المشوهة عبر الفضاء الرقمي المفتوح، مما جعله صيداً ثميناً لتجار الأزمات.
لقد أسفر هذا الواقع عن بيئة خصبة وظفت طاقات هذه الشريحة عبر آليات الاستقطاب الرقمي في كثير من مشاريع الهدم منذ بداية تحولات الظروف، وصولاً إلى أحدثها والمتمثل في مجموعات التشهير التي تنتهك الخصوصية وتهدد السلم الاجتماعي. وتحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحات للعبث المنهجي ونشر ثقافة الانفلات؛ مما أدى إلى وقوع قطاعات واسعة في فخ التعاطي السلبي مع هذه المحتويات، لتتراجع بذلك ثمار الحراك الحقيقي الذي يقوده صناع الرأي الوطنيون في التوعية.
مواجهة هذا النزيف المتسارع تتطلب تحركاً مؤسسياً ومجتمعياً جاداً لقرع ناقوس الخطر المستمر. لأن حماية الأجيال القادمة وإنقاذها من شراك الفوضى العارمة تقتضي بناء حاضنة واعية تعزز الحس النقدي، وترسخ الحس الأمني في التعامل مع الفضاء الرقمي، وتستعيد حراسة القيم بوعي مؤسس يحمي المجتمع من السقوط في فخ التجهيل الممنهج والتفكك قبل أن يفلت الزمام تماماً.